السيد محمد باقر الصدر
540
إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )
ومن ناحية أخرى أنّ هذا الشخص الغاصب الذي نفترض أنّه كان يستولي على الأرض بالقوّة لم يكن على الأكثر شخصاً طريداً لا مأوى له ولا أرض ، بل هو - في أقرب صورة إلى القبول - شخص استطاع أن يعمل في مساحة من الأرض ويستثمرها ، واتّسعت إمكاناته بالتدريج ، فأخذ يفكّر في الاستيلاء بالعنف على مساحات جديدة من الأرض . فهناك إذن قبل العنف والقوّة العمل المثمر والحقّ القائم على أساس العمل والاستثمار . وأقرب الأشياء إلى القبول حين نتصوّر طائفة بدائيّة تسكن في أرض وتدخل الحياة الزراعيّة . . أن يشغل كلّ فرد فيها مساحة من تلك الأرض تبعاً لإمكاناته ، ويعمل لاستثمارها . ومن خلال هذا التقسيم الذي يبدأ بوصفه تقسيماً للعمل - إذ لا يتاح لجميع المزارعين المساهمة في كلّ شبر - تنشأ الحقوق الخاصّة للأفراد ، ويصبح لكلّ فرد حقّه في الأرض التي أجهدته وامتصّت عمله وأتعابه . وتظهر بعد ذلك عوامل العنف والقوّة حين يأخذ الأكثر قدرةً وقوّةً يغزو أراضي الآخرين ويستولي على مزارعهم . ولسنا نريد بهذا أن نبرّر الحقوق والملكيّات الخاصّة للأرض التي مرّت في تاريخ الإنسان ، وإنّما نستهدف القول بأنّ الإحياء - العمل في الأرض - هو في أكبر الظنّ السبب الأوّل الوحيد الذي اعترفت به المجتمعات الفطريّة ، بوصفه مصدراً لحقّ الفرد في الأرض التي أحياها وعمل فيها ، والأسباب الأخرى كلّها عوامل ثانويّة ولدتها الظروف والتعقيدات التي كانت تبتعد بالمجتمعات الأولى عن وضعها الفطري وإلهامها الطبيعي . وقد فقد السبب الأوّل اعتباره تاريخيّاً بالتدريج خلال نموّ هذه العوامل الثانويّة ، وتزايد سيطرة الهوى على الفطرة ، حتّى امتلأ تاريخ الملكيّة الخاصّة للأرض بألوان من الظلم والاحتكار ، وضاقت الأرض على جماهير الناس بقدر